Yara Abualjedian was nine months pregnant when Israel intensified its bombing of Gaza. Her husband, Ahmad, was in Canada, 9,000 kilometres away, with no way to reach her. Then she went into labour. A story about love and perseverance in a time of war

إنقاذ سيلا

كانت يارا أبو الجديان حاملاً في شهرها التاسع عندما بدأ القصف في غزة. كان زوجها أحمد في كندا، على بعد 9 آلاف كيلومتر، وما من وسيلة للوصول إليها. ثم بدأ المخاض. قصة عن الحب والإصرار في زمن الحرب

Read this story in English


يارا أبو الجديان وزوجها أحمد من سكّان جباليا شمال غزة. بعد فترة قصيرة من زواجهما أوائل العام 2023 اكتشف الزوجان أنهما ينتظران مولوداً. كان أحمد، الحاصل على إقامة دائمة في كندا، يعيش في برانتفورد منذ خمس سنوات، ثم عاد إليها في سبتمبر، قبل ولادة طفله، ليرتب الأمور استعداداً لوصول عائلته. في 7 أكتوبر، هاجمت حماس إسرائيل واندلعت الحرب. ثم دخلت يارا في المخاض. فيما يلي يشرح الزوجان قصتهما لما حدث بعد ذلك


أحمد: وُلدت في العام 1998 في جباليا. أنا الأصغر من بين خمسة أخوة وسبع أخوات. أعاني من إعاقة بصرية، فلقد فقدت البصر في عيني اليمنى، ورؤيتي محدودة في العين اليسرى. لذا أعتمد على عصاً للتنقل. عندما كنت في الرابعة من عمري، رتّب لي الصليب الأحمر الالتحاق بمدرسة للمكفوفين في بيت لحم. أرسلوني بمفردي، لم يأت معي أحد من أفراد عائلتي

يارا: العلاقات وطيدة جداً بين أفراد عائلتنا الكبيرة، لذا كنا أنا وأحمد نعرف بعضنا طوال حياتنا. لكنني وُلدت في 2002، أي بعد أن غادر أحمد ليلتحق بالمدرسة، لذا لم نقضِ أي وقت معاً في صغرنا

أحمد: ذهبت إلى الضفة الغربية للدراسة الثانوية والجامعية، حيث درست علم النفس. كنت أبيع المناديل في الشارع لدفع تكاليف دراستي. شهدت الكثير من الصراعات والعنف في حياتي، خاصة في العام 2014، عندما عدت إلى غزة وكان الحي الذي كنت أقيم فيه، الشجاعية، يتعرض للقصف من قبل جيش الدفاع الإسرائيلي. رأيت جثثاً متناثرة في كل مكان، وكنت أتعثر بأشلاء الجثث، أرجل ورؤوس، أثناء محاولتي الهروب من القصف. مات بعض أصدقاء طفولتي خلال هذا النزاع

يارا: لا أمان أبداً في غزة. العيش في ظلّ القصف والانفجارات جزء عادي من حياتنا هناك. بات جزءاً من البديهيات

أحمد:بحلول العام 2017، أثناء دراستي الجامعية، أدركت أنّه يجب عليّ أن أخرج من غزة. تقدمت بطلب للحصول على تأشيرات دراسية في السويد وتركيا وبلجيكا، لكنهم رفضوني جميعاً. في النهاية، نجحت في الحصول على تأشيرة دراسية في كندا. وصلت كندا في يناير 2018. لم يكن لدي ما يكفي من المال للبقاء سوى ليلتين فقط في فندق دلني عليه موظف في المطار يتحدث اللغة العربية. ثم وجّهني موظفو الفندق إلى مركز للاجئين في إيتوبيكوك. ساعدني موظف خدمة اجتماعية في التقدم للحصول على وضع لاجئ في كندا نظراً لأن حياتي كانت معرضة للخطر في غزة. نقلني الموظف في الخدمة الاجتماعية إلى برانتفورد لتعلم اللغة الإنجليزية في مدرسة وليام روس ماكدونالد للمكفوفين. وفر لي مركز اللجوء شقة استوديو في منزل قديم عمره قرن من الزمن، في برانتفورد

يارا: نشأت في غزة وبقيت هناك خلال فترة الدراسة الثانوية وفي المعهد حيث درست لأصبح سكرتيرة. أخي كفيف، وتعلمت كيف أعتني به وكيف أكون عينيه. كانت تجربة مجزية. أعتقد أن هذا ما جذبني لاحقاً إلى أحمد. أردت أن أكون معه وأن أعتني به. أشعر بصلة خاصة تربطني بالأشخاص الذين يعانون من إعاقة بصرية، فهم يفهمونني أكثر من غيرهم، وأنا أفهمهم أيضاً

أحمد: تدريجياً، أصبح لدي بعض الأصدقاء في برانتفورد. التقيت ببهاء في صيف 2018 في مسجد برانتفورد خلال العيد

بهاء الحجار:أنا فلسطيني أيضاً، والدي من الخليل، لكنني وُلدت في الأردن وانتقلت إلى برانتفورد عندما كنت في العاشرة من عمري. كنا نذهب أنا وأحمد لنحتسي القهوة معاً ونتحدث عن آخر الأخبار. كنا أحياناً نلتقي في جمعية الشبان المسيحيين YMCA لنلعب “كرة الهدف”، وهي رياضة للمعاقين بصرياً، تشبه كرة اليد، لكن الكرة بداخلها جرس

أحمد: بحلول 2021، حصلت على إقامة دائمة في كندا. ثم في 2022، أتت أختي بفكرة أن نتزوج أنا ويارا. كانت تعلم أنني أشعر بالوحدة في كندا وأنني كنت متشوقاً لتكوين أسرة. سبق لي أن تزوجت في 2020 من سيدة مغربية، لكن الأمور لم تسر على ما يرام لأن زوجتي وجدت صعوبة في التعامل مع شخص لديه إعاقة بصرية. كنت لا زلت أعاني من تلك التجربة، وكنت قلقاً أن تتكرر تلك التجربة. لكن يارا قالت إنها متحمسة لأن تكون معي، وصدّقتها

يارا: أدركت أن كوني مع أحمد سيعني أن أترك غزة- الوطن الوحيد الذي أعرفه. أحزنني الانفصال عن عائلتي. لكنني شعرت أنني وأحمد قادران على بناء حياة جديدة وسعيدة معاً، بغض النظر عن المكان الذي نعيش فيه. كنا أيضاً نرغب في أن نسرع في إنجاب أطفالنا. كنت أتطلع أيضاً إلى العيش في مكان آمن

أحمد: بدأت أنا ويارا في التحدث عبر الهاتف في 2022. كنا نتحدث كل يوم، أحياناً لبضع دقائق وأحياناً لساعات. تعارفنا أكثر على بعضنا البعض، وعمّا يبحث عنه كلٌّ منا في شريك حياته. عرفت أيضاً أن يارا تحب الأكسسوارات، مثل الحقائب والمجوهرات، ومشاهدة الأفلام

يارا: عرفت أن أحمد رجل جيد. شعرت أنه يفهمني، كما وأسعدني أنه متعلم. في يناير 2023، أقامت لنا عائلتنا حفل زفاف إسلامي في غزة بينما كان أحمد لا يزال في كندا. كان أشبه بحفل زفاف حقيقي، مع غناء ورقص، لكن من دون حضور العريس

أحمد: بما أنني تقدمت بطلب للحصول على وضع لاجئ في كندا، لم أستطع العودة إلى غزة حتى لو أردت ذلك. لم يكن حفل الزفاف مهماً بالنسبة لي، لذلك لم يهمني غيابي عن الحفل. ثم، في وقت لاحق من شهر يناير، التقيت أنا ويارا في القاهرة

يارا:: لا يُسمح لأحد بمغادرة غزة دون إذن خاص. يتعين عليك أن تدفع ما لا يقل عن 400 دولار لرشوة حراس الحدود في مصر للخروج- وهذا ما فعلته. كنت متحمسة للقاء أحمد شخصياً، لذا لم أكن متوترة كثيراً. بكيت بشدة عندما رأيته أول مرة. شعرت بسعادة غامرة عندما كنت معه

أحمد:: في البداية، اعتقدت أنها تبكي لأنها متضايقة، لكنها أخبرتني أنها دموع الفرح، ولقاؤها جعلني أشعر بالسعادة نفسها. أمضينا أنا ويارا وقتاً رائعاً في مصر، تعرفنا فيه على بعضنا البعض. استأجرنا شقة في القاهرة. تناولنا الطعام في المطاعم، وتنزهنا على شاطئ البحر الأبيض المتوسط ​​وذهبنا للتسوق. كنت أعاني من بعض الاكتئاب منذ انهيار زواجي الأول، لكن وجودي مع يارا أخرجني من تلك الحالة. خططنا لتقديم طلب تأشيرة كفالة زوجية ليارا في كندا، لكن كان علينا الانتظار حتى استكمال طلاقي

يارا: حملت في الشهر الأول الذي قضيناه معاً. كنت متحمسة جداً. أجريت أربع اختبارات حمل قبل أن يأتي الاختبار الخامس إيجابياً. عندما رأيت النتيجة الإيجابية، بدأت أرقص في أنحاء الغرفة

أحمد: كنت أحلم بأن أكون أباً منذ زمن طويل. قررنا أن أعود إلى كندا بمفردي في سبتمبر 2023، لأنّ عليّ التواجد فيها لتقديم أوراق يارا

يارا: كان موعد ولادتي في نهاية أكتوبر. كانت خطتنا أن ألد في غزة، ومن ثم أقضي مع عائلتي أول عام من عمر طفلي

أحمد: يصعب أن أكون بعيداً عن يارا أثناء الولادة. لكنني كنت أعلم أن الأمر يستحق بمجرد أن نرتب حياتنا في كندا. في العام 2024، بعد إنجاز الأوراق اللازمة، سينضمون إلي

يارا: عندما علمنا أننا سنرزق بفتاة، اخترنا لها اسم “سيلا”. وهو اسم تركي يرمز إلى تجمّع الأسرة وتماسكها. أشاهد الكثير من الأفلام التركية، وهذا سبب اختياري هذا الاسم

أحمد: عندما غادرت مصر في سبتمبر، لم يكن لدينا أدنى فكرة عما هو آتٍ. في 7 أكتوبر، في الساعة 11:30 مساءً، أيقظني اتصال من أخي، بكر. حماس هاجمت إسرائيل، وإسرائيل تستعد للرد. كنت خائفاً جداً على عائلتي- إخوتي الأحد عشر، والعديد من أبناء عمومي، وعماتي وخالاتي وأعمامي وأخوالي، ما زلوا في غزة- لكنّني كنت خائفاً بشكل خاص على يارا. لا يفصلنا سوى أسابيع قليلة عن موعد ولادتها، ولا يسمح لأي شخص بمغادرة البلاد

يارا: شعرت بالرعب عندما اندلعت الحرب. كنت في جباليا، أعيش في مبنى يضم حوالي 40 من أقاربي، وبعض أفراد من عائلة أحمد أيضاً- آباؤنا وأمهاتنا وأقاربنا وعماتنا وأعمامنا. اتصلت بأحمد، وأنا أبكي، وتوسلت إليه أن يخرجنا من غزة. لا يمكننا البقاء هناك. كنت واثقة من أننا سنموت. فكرت في الطفلة التي في بطني وكيف أنني لن أحظى بفرصة لقائها أو حتى لمسها إذا مت قبل إنجابها

عندما اندلعت الحرب في 7 أكتوبر، كانت يارا تعيش في جباليا، في مبنى سكني يقطن فيه 40 من أفراد عائلتها
بعد أن تعرض حيّهم للقصف في 19 أكتوبر، فرت عائلة يارا من منزلها لتعيش في مدرسة تابعة للأمم المتحدة مع آلاف النازحين

أحمد: أول ما فعلته عندما علمت بأمر الحرب هو الاتصال بوزارة الخارجية الكندية، وتقديم طلب إخراج يارا وسيلا من غزة. شرحت وضعنا- أن يارا حامل بابنتي وأن طلب التأشيرة الزوجية قيد التنفيذ

يارا: بعد بداية الحرب، كانت غزة في فوضى عارمة. ارتفعت أسعار المواد الغذائية بشكل هائل. صار سعر كيس الطحين 135 دولاراً، هذا إذا تمكّنت أصلاً من العثور عليه. كان على أحمد أن يحوّل لنا بعض المال لكي نبقى على قيد الحياة

أحمد: أتلقى مساعدات اجتماعية من خلال برنامج دعم المعاقين في أونتاريو. أقوم أيضاً بالترجمة إلى العربية، وبتدريس القرآن عبر الإنترنت. ليس لدي الكثير من المال في نهاية كل شهر، لكنني كنت أرسل لعائلتي كل ما أقدر عليه. في 15 أكتوبر، اتصلت بي ممثلة وزارة الخارجية الكندية لتخبرني أنهم لا يستطيعون مساعدتنا لأن يارا ليست مقيمة دائمة بعد. صُدمت. قلت: “إذن ستتركونها تموت؟” قالت المرأة إنها آسفة، لكن لم يكن لديها ما يمكنها فعله، وأغلقت الخط. شعرت بالهزيمة تماماً

بهاء: أنا وزوجتي سنا أردنا مساعدة أحمد. كنا ندرك مدى قوة وسائل التواصل الاجتماعي، لذا قررنا تصوير مقطع فيديو وهو يروي قصته

سنا قاسم: سجلناه ظهيرة يوم عندما كنا نشارك في وقفة احتجاج دعماً لفلسطين أمام مبنى البلدية. ثم أرسلنا الفيديو إلى كل من نعرفه من أصدقائنا وعائلتنا بالإضافة إلى مجموعات المجتمع المحلية في برانتفورد

يارا: في 19 أكتوبر، قصفوا حينا. ودمروا المبنى المجاور لنا

بكر أبو الجديان (شقيق أحمد): كنا نعلم أن الأماكن الآمنة الوحيدة هي المدارس التابعة للأمم المتحدة، إذ لا يفترض للجيش الإسرائيلي أن يقصفها. وبموجب القانون الدولي، تعد مباني الأمم المتحدة محظورة. لذا ذهبنا إلى أقرب مدرسة تابعة للأمم المتحدة في جباليا. هي تتسع عادةً لحوالي 3000 شخص، لكن عندما وصلنا وجدناها ملأى بالبشر تماماً. أعتقد أن المدرسة كان فيها حوالي 20 ألف شخص، ولم يكن من الممكن المكوث فيها. كان علينا الذهاب إلى مدرسة أخرى تابعة للأمم المتحدة، على بعد 20 كيلومتراً جنوباً، لكن بحلول ذلك الوقت كان المساء قد حل وكنا متعبين، لذلك كان علينا الانتظار حتى اليوم التالي. قررنا الذهاب إلى منزل عمي القريب، على بعد خمس دقائق سيراً على الأقدام من المدرسة. يعيش عمّي في شقة صغيرة مساحتها 200 قدم مربعة. احتشد أربعون شخصاً منا في شقّته طوال الليل. وفي صباح اليوم التالي توجهنا بالسيارة إلى مدرسة تابعة للأمم المتحدة في دير البلح. كانت مكتظة بالناس أيضاً، لكن على الأقل كان فيها مساحة للنساء للنوم بداخلها. كان الرجال ينامون في الخارج على الحصائر في ساحة الرياضة

بذل بكر أبو الجديان، شقيق أحمد، قصارى جهده لحماية يارا وسيلا في غزة

يارا: كانت المدرسة تحتوي على حوالي 12 صفاً، وكان الناس في كل مكان، مكتظين في الصفوف والممرات. ربما كان هناك مئات الأشخاص في كل صف. عندما رأيت الوضع في مدرسة الأمم المتحدة، لم أعرف كيف يمكننا العيش هناك

بكر: لم يكن لدى المدرسة أي مصدر للمياه النظيفة. لكننا كنا يائسين. شربنا الماء، فمرضنا جميعاً، آلام في المعدة، وإسهال، وحمى، بما في ذلك يارا. كنا قلقين جداً عليها وعلى صحة طفلها

يارا: في صباح اليوم التالي لوصولنا إلى مدرسة الأمم المتحدة في دير البلح، بدأت أشعر بآلام الوضع. اتصلنا بسيارة إسعاف، لكن بسبب القصف في كل مكان حولنا، لم تتمكن سيارة الإسعاف من الحضور لمدة ساعتين. وعندما وصلت أخيراً، جاء معي بكر وأمي. في البداية، ذهبنا إلى مستشفى الأقصى، لكنه كان مكتظاً تماماً. ما من مكان آخر للذهاب إليه. رأيت الكثير من الحوامل الأخريات ينتظرن في المستشفى للولادة. لذا نقلتنا سيارة الإسعاف إلى مستشفى في مخيم النصيرات للاجئين، كان قريباً منا، يبعد حوالي ستة كيلومترات عن دير البلح. فحصني الأطباء لبضع دقائق وأخبروني أنني لست جاهزة للولادة بعد، ويجب أن أعود إلى المنزل حتى تصبح الانقباضات أقوى وأكثر تكراراً

بكر: لم تكن هناك سيارة إسعاف متاحة لإعادتنا إلى مدرسة الأمم المتحدة في دير البلح، وكان المساء قد حلّ مرة أخرى، فنمت أنا ويارا ووالدتها خارج أبواب المستشفى. في صباح اليوم التالي مشينا لمدة ساعتين ونصف حتى وجدنا حماراً وعربة أعادتنا إلى دير البلح

يارا: في اليوم التالي أصبحت الانقباضات أقوى. كان الألم لا يطاق. اتصلنا بسيارة إسعاف أخرى لنقلي إلى المستشفى. لا أتذكر الكثير من التفاصيل عن هذه المرة. كنت خائفة جداً وأتألم كثيراً. لم أكن أعرف ما إذا كنت سأعيش أم أموت

بكر: مرة أخرى، كان المشهد فوضوياً في المستشفى. كان علينا الانتظار ساعةً قبل أن يرى الطبيب يارا. في النهاية، قاد أحدهم يارا إلى غرفة الممرضة، حيث وضعت يارا ابنتها سيلا على بطانية على الأرض. اضطر الطبيب إلى أن يُحدث قطعاً لدى يارا لكي يتمكن من إخراج الطفلة، وكان عليه أن يفعل ذلك من دون أي تخدير أو كهرباء أو تعقيم. كما جرى تقطيب الجرح بعدة غرزات، أيضاً من دون أي تخدير، كانت بالتأكيد تجربة مريعة. لا أستطيع مجرد أن أتخيل ما مرت به. لكن سيلا جاءت إلى هذا العالم، وكانت بصحة جيدة، ونجت يارا

يارا: كنت سعيدة بقدوم سيلا، لكن في الوقت نفسه كنت خائفة لأنني لم أكن أعرف ما إذا كنت سأتمكّن من حمايتها

أحمد: اتصل أخي ليخبرني بأن يارا أنجبت سيلا، لكن فرحتي طغى عليها القلق. لم أكن أعلم ما إذا كنت سأحظى بفرصة لقاء سيلا إذا لم نخرجها هي ويارا من غزة. شعرت أنهما قد تموتان في أي لحظة. قال لي أخي إن الوضع سيء جداً في مدرسة الأمم المتحدة. كان الجميع قلقين بشأن إصابة سيلا بالمرض بسبب الظروف غير الصحية. لذا قررنا أن تذهب يارا وسيلا إلى بيت عمي

كان أحمد في برانتفورد، غير قادر على الاتصال بعائلته، عندما وُلدت ابنته
وضعت يارا ابنتها في مستشفى مزدحم، من دون الحصول على تخدير، وبلا كهرباء أو مواد تعقيم
وضعت يارا ابنتها في مستشفى مزدحم، من دون الحصول على تخدير، وبلا كهرباء أو مواد تعقيم

يارا: كنا نعلم أن منزل عم أحمد غير آمن، وأنّه قد يتعرض للقصف في أي وقت لأنه لم يكن في منطقة محمية. ولكن في تلك اللحظة، بسبب سيلا، كانت النظافة أكثر أهمية بالنسبة لنا. فعل عم أحمد الكثير لمساعدتنا. خرج في الساعة الرابعة صباحاً ليقف في الطابور أمام المخبز مدة ثماني ساعات لإحضار الخبز لنا، ثم وقف مرة أخرى خمس ساعات لإحضار الماء

أحمد: فور وصول يارا إلى منزل عمي في 26 أكتوبر، فقدت الاتصال بالجميع في غزة، بما في ذلك يارا. بسبب الحرب، انقطعت خطوط الهاتف معظم الوقت. لم أتمكن من الاتصال بهم لمدة خمسة أيام. كانت أوقاتاً عصيبةً حقاً. لم أكن أعلم ما إذا كانوا أحياء أم أموات. كل ما كان يمكنني فعله هو الدعاء. ناشدت الله: أرجوك، احمِ يارا وسيلا

بهاء: كانت تلك الفترة قاسيةً على أحمد. لم يكن يأكل ولا ينام. في إحدى اللحظات، كان يائساً لدرجة أنه طلب مني طباعة لافتة كبيرة فيها قصته لكي يجري إضراباً عن الطعام أمام دار البلدية

أحمد: قبل أن يحدث ذلك، يبدو أن الفيديو الخاص بي لفت انتباه أحد مراسلي CBC. اتصل بي أحدهم، يسأل ما إذا كان يمكنه مقابلتي للحديث عن وضعي. فكرت، إذا شاركتُ قصتي قد يقدّم شخص ما يد المساعدة لنا. أجريت مقابلة تلفزيونية مع CBCفي 2 نوفمبر. وفي اليوم نفسه، تمكنت أخيراً من التواصل مع يارا وعلمت أن الجميع لا يزالون آمنين، ما أراحني كثيراً. في اليوم التالي من نشر المقابلة، اتصلوا بي من وزارة الخارجية الكندية وقالوا إنهم سيساعدون في نقل يارا وسيلا إلى كندا. أخيراً، بعد أسابيع طويلة، رأيت بصيصاً من الأمل. لكن كانت هناك تحديات أمامنا. كان على يارا وسيلا السفر إلى الحدود بين غزة ومصر، أي معبر رفح، الذي تسيطر عليه مصر. وهناك، سيساعدهم مسؤولو القنصلية الكندية في مصر في الوصول إلى كندا. كان معبر رفح قد أغلق منذ أسابيع، ولم نكن نعرف متى سيعاد فتحه. كل ما يمكننا فعله حتى ذلك الحين هو الاستعداد للرحلة

بهاء: ساعدت أحمد في تجهيز الأوراق التي يحتاجها مسؤولو القنصلية الكندية لإدخال يارا إلى مصر. لحسن الحظ، كان لدينا جواز سفرها وشهادة ميلادها الذين استخدما لتقديم طلب التحاقها بزوجها. لكننا كنا بحاجة إلى وثائق الطفلة. نسّقت مع أحد إخوة أحمد، الذي كان يعيش في الضفة الغربية ذلك الوقت، للحصول على إثبات أبوّة من مستشفى في رام الله. لا بدّ أنهم اتصلوا بالمستشفى الذي ولدت فيه يارا للتحقق من المعلومات. ثم أرسلوا الوثيقة إلى المكتب الكندي في رام الله، حيث تمت ترجمتها وإرسالها إلى السفارة الكندية في مصر

بكر: في هذه المرحلة، كان الوقود فد نفد لفترة طويلة من سياراتنا. لذلك، بينما كنا ننتظر إعادة فتح الحدود، تحدثت مع الأصدقاء والعائلة،  وأخيراً عثرت على خمس لترات وقود مقابل 65 دولاراً. في6  نوفمبر، تلقينا خبراً بإعادة فتح المعبر، فقررنا التوجه إلى هناك في اليوم التالي. غادرنا دير البلح الساعة 9 صباحاً. تبلغ المسافة إلى معبر رفح حوالي 22 كيلومتراً، كان الوضع خطيراً للغاية حيث القنابل تتساقط من حولنا. قدت بأسرع ما يمكن للوصول إلى المعبر بسرعة. وجدنا العديد من الأشخاص عند وصولنا، ربما مئات

يارا: لم أشعر بأنه يمكنني التنفس مرة أخرى إلا حين وصلت إلى الحدود. كانت هذه المرة الأولى التي أشعر فيها بأمل في أن ننجو أنا وسيلا، وأن نلتقي بأحمد. وضع مسؤولو القنصلية اسمي واسم سيلا ضمن قائمة الأشخاص المعتمدين الذين يمكنهم مغادرة غزة

بكر: لقد شعرت بسعادة غامرة لأن يارا تمكنت من الخروج من غزة. كان إنجازاً لا يصدق. خاطرت بحياتي لإيصالها إلى الحدود، وخاطرت بحياتي مرة أخرى للعودة إلى دير البلح. لكن أخيراً عرفت أنها آمنة. كانت لحظة سعادة في هذا الوقت الرهيب من الحرب. نودّ لو أخرجنا عائلتنا بأكملها من غزة، لكن أفضل ما أمكننا فعله هو إخراج يارا وابنتها. لا تزال زوجاتنا وأخواتنا وأطفالنا في خطر. قد نموت في أي وقت. لكننا على الأقل نعلم أن هذين الشخصين في أمان

سنا: عندما علمت بخروج يارا وسيلا من غزة، أردنا أنا وبهاء التأكد من حصول أحمد على كل ما تحتاجه الأسرة للمولود الجديد، ولكي تبدأ يارا حياتها هنا، لأنها ستخرج صفر اليدين، من دون أي شيء. نشرتُ في إحدى مجموعات فيسبوك للحي في باريس، بمقاطعة أونتاريو، حيث أعيش أنا وبهاء الآن، وسألنا عما إذا كان هناك من لديه مقعد سيارة أطفال فائض عن حاجته وسرير أطفال. فتدفقت المساعدات. كان الناس يخرجون ويشترون الملابس والحفاضات وعلب الحليب للطفلة. أخبرتني امرأة تبرعت أنها يهودية وتريد أن تفعل ما في وسعها لدعم الناس في غزة. كما حصلنا على بعض الملابس الشتوية والملابس الداخلية ليارا. أتت التبرعات من ميلتون وبرانتفورد وباريس، واضطررنا لاستخدام ملف إكسل لتتبع كل التبرعات حتى لا تتكرر المواد. وبعد أن حصلنا على جميع الضروريات، بدأ الناس يقدمون لنا بطاقات هدايا البقالة للعائلة. ذهبت إلى منزل أحمد مع بعض الأصدقاء لتنظيف منزله وتجهيزه بكل الأغراض التي جمعناها

بهاء الحجار وسنا قاسم، صديقا أحمد، جمعا تبرعات لإعداد غرفة حضانة لـسيلا في برانتفورد

يارا: بمجرد وصولي إلى مصر، أخذني مسؤولو القنصلية الكندية في حافلة إلى القاهرة. وصلت إلى هناك في وقت مبكر من صباح 8 نوفمبر. وهناك أجرت لي ممرضة فحصاً أنا وسيلا. والحمد لله كنا بخير وصحة جيدة. أقمنا في فندق ليوم واحد، بينما كنا ننتظر إتمام إجراءاتنا الورقية. تمكنت من الحصول على تأشيرة إقامة مؤقتة في كندا، وعلى الرغم من أن سيلا لم تكن لديها أي أوراق- ولا حتى شهادة ميلاد- فقد أنشأوا وثيقة سفر خاصة لها لمغادرة مصر والدخول إلى كندا. في وقت متأخر من مساء 9 نوفمبر، طرنا إلى كندا، ووصلنا إلى تورونتو في 10 نوفمبر

أحمد: حصلت يارا وسيلا على إذن بالبقاء في مصر لمدة 72 ساعة فقط، لذلك كان انتظار الأوراق أمراً مقلقاً. كان علي أيضاً أن أجمع الأموال اللازمة لدفع تكلفة رحلة يارا وسيلا، والتي تبلغ 1800 دولار. لحسن الحظ، عرض متبرع مجهول سمع قصتي أن يدفع ثمن رحلتهما. لم أعد أشعر بالوحدة، فهناك الكثير من الناس الطيبين الذين يساعدوننا

بهاء: كان من المقرر أن تهبط طائرة يارا وسيلا في تورونتو الساعة 7 صباحاً. خططنا سنا وأنا لتوصيل أحمد إلى المطار قبل ساعة من وصولها. اتصل بي أحمد الساعة 4 صباحاً للتأكد من أنني مستيقظ. قال لي إنه لم يتمكن من النوم على الإطلاق. عندما وصلنا إلى المطار، تم احتجاز يارا في الجمارك. في النهاية، في الساعة 8:30 صباحاً، خرجت. ركض أحمد نحوها. كان متحمساً جداً؛ استمر في الركض حتى اصطدم بها، فاحتضنته وضمته بين ذراعيها. كان أحمد يشم رائحة الطفلة، ويقبلها ويلمسها. كانت لحظة عاطفية جداً بالنسبة لنا جميعاً. رأيت صحفيين يبكيان. كانت المرة الأولى خلال شهر التي تصلنا فيها أخبار جيدة من غزة

أحمد: كنت سعيداً جداً ومرتاحاً بعد لم شملي مع يارا أخيراً. لقد كان بمثابة حلم أن أقابل سيلا وأشم رائحتها. شعرت بقلبي ممتلأ تماماً. كان من رائع جداً أن أحملها لأول مرة. شعرت كأنني خارج جسدي. في كلتا اللغتين التي أعرفهما، الإنجليزية والعربية، لم أتمكن من العثور على الكلمات التي تصف مدى سعادتي تلك اللحظة

يارا: كنت مندهشة لرؤية محطتي تلفزيون في المطار لاستقبالي بالإضافة إلى لاري بروك، عضو البرلمان من محافظة أحمد. سألت أحمد: “هل تفعل كندا ذلك لكل من يصل؟” قال لا، إنها فقط لأجلي لأنني حالة إنسانية خاصة جداً

سنا: كان بامكانك أن ترى الارتياح على وجه يارا عندما التقت أخيراً بأحمد. كانت مرهقة ولكن سعيدة بابتسامة عريضة. نقلنا أحمد ويارا وسيلا إلى شقة أحمد. في الأيام التالية، نسقت مع بعض الأمهات الفلسطينيات أيضاً للذهاب لتعليم يارا وأحمد كل ما يحتاجان إلى معرفته حول رعاية الطفل، مثل الرضاعة والتجشؤ. كما زارتهم قابلة الولادة وأجرت فحصاً طبي ليارا وسيلا

أحمد: ازدحمت الحياة منذ وصول يارا وسيلا. أول ما أفعله عندما أستيقظ كل صباح هو تقبيل ابنتي، وشمّها، وسماع صوتها. إنها حلم يتحقق. استمتعت بتعريف يارا على الحياة في كندا. ذهبنا إلى وولمارت ومركز التسوق في برانتفورد، وهو أمر مهم بالنسبة لها إذ ليس لدينا مثل هذه المحلات في غزة. كما أخذتهم إلى برج CN والأكواريوم. حصلنا على جهاز تلفزيون كي تتمكن يارا من مشاهدة أفلامها التركية المفضلة. إننا نأخذ الأمور ببطء لأنها تحتاج إلى وقت للنقاهة من آلام العيش في زمن الحرب

بهاء: في أحد الأيام، عندما كنا في منزلهم، كانت يارا تخبرني كيف أن الصوت الجهير في الموسيقى التي يضعها جيرانهم يذكرها بالغارات الجوية. تقول إنها تشعر باهتزاز المنزل وتسمع قنابل في رأسها. لكنها تقول ذلك بطريقة واقعية، كما لو كانت أمراً عادياً تماماً. لقد عانت الكثير

يارا: الحياة في كندا جميلة حتى الآن. الطقس البارد بالتأكيد أمرٌ يحتاج إلى التعود. لكنني أحب الأشجار هنا

أحمد: في المستقبل، نفكر أنا ويارا في بدء مشروع تجاري. قد نفتح متجراً للأكسسوارات بحيث تستطيع يارا بيع الحقائب والخواتم. حالياً، ما زلت أعطي دروساً خاصة. لكنني بحاجة إلى مزيد من الأجهزة المساعدة، مثل قارئ الشاشة الذي يحول النص إلى الصوت، وجهاز كمبيوتر مع لوحة مفاتيح تتيح لي الكتابة وتصفح الإنترنت، وعصا ذكية يمكنها اكتشاف العوائق في طريقي، لمساعدتي في تأمين وظيفة ثابتة لإعالة عائلتي. بدأت سنا وبهاء حملة تبرعات عبر الإنترنت للمساعدة في شراء الأجهزة المساعدة التي أحتاجها

سنا: أطلقنا حملة جمع التبرعات في 15 نوفمبر، ووصلنا في الأيام الأولى إلى 70 بالمئة من هدفنا البالغ 15 ألف دولار. نحن أيضاً نجمع التبرعات لصالح عائلات أخرى هربت من غزة. على متن الطائرة المتجهة من مصر إلى تورونتو، التقت يارا بعائلة أخرى– رجل مع ابنتيه وابنه- تركوا كل شيء وراءهم. لذلك نعمل على توفير سكن مدعوم لهم، وملابس، ومستلزمات أساسية. هم يعيشون في واترلو حالياً

يارا: أنا سعيدة جداً لوجودي مع أحمد، لكنني لن أكون سعيدة حقاً حتى يكون والداي وعائلتي آمنين، ويخرجون من غزة

بكر: ما زلنا نعيش في مدرسة الأمم المتحدة في دير البلح. لا نعلم أبداً ما إذا كنا سنظل على قيد الحياة إلى الغد أم لا. في 18 نوفمبر، قصفت إسرائيل مدرسة أمم متحدة أخرى في غزة، لذا لم نعد نشعر بالأمان هنا. كل ما نريده هو أن نكون آمنين

أحمد: عائلاتنا في خطر. أحاول مساعدة أحد إخوتي وزوجته وابنه، وجميعهم يمتلكون جوازات سفر فلسطينية، على الوصول إلى كندا. لقد فقدت بالفعل عدة أقارب منذ أكتوبر. لا أريد رؤية المزيد من أفراد عائلتي يموتون